المقاصد الأساسية للزكاة
لم تُشرع الزكاة لذاتها، وإنما شُرعت لتحقيق العديد من المقاصد سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع، ويتضح ذلك مما يلى:
لما كان الفرد هو أساس المجتمع، فقد اهتم التشريع الإسلامى بإصلاح حاله من خلال الزكاة. ويمكن أن يظهر ذلك بالنسبة لمُعطى الزكاة من ناحية، ومُستحِقها من ناحية أخرى من خلال بيان المقاصد المعنوية للزكاة.
ولعل السبب فى التركيز على المقاصد المعنوية أو الروحية للزكاة هو أن صلاح القلب أساس صلاح الجسد، فالصحة القلبية تُعد شرطاً للصحة الجسدية وإذا شَقت النفس شَقى معها البدن، كما أن أمراض الأبدان تنتهى بالموت، أما أمراض القلوب فإن أثرها يبقى مع الفرد لما بعد الموت:" يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ". (الشعراء:88، 89)، كما أن الأمراض القلبية قد يكون لها آثاراً أبعد مدى وأكثر خطورة من الأمراض البدنية على الأفراد وهم لبنات المجتمع، وسلامة المجتمع فى سلامة لبناته.
للزكاة العديد من المقاصد المعنوية بالنسبة للمزكين، ولعل أهم هذه المقاصد ما يلى:
يُعتبر الشح من الأمراض الخطيرة التي قد تصيب الفرد وتؤدي إلى هلاكه، ولذا فقد حثنا القرآن الكريم على التخلص منه، وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: " وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ" (الحشر: 8)، كما حذرنا من البخل بقوله عز وجل: "وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ" ( محمد : 38). وللزكاة دور هام في شفاء الفرد من هذا المرض الخطير، فهي تطهره من البخل والحرص والشح بإخراج الزكاة، وعلى قدر حرص الفرد على إخراج الزكاة يكون شفاؤه من هذا المرض، بل إن الزكاة تنتقل بالمزكى إلى ما هو أبعد من ذلك، فهى تُعوده على الإنفاق والبذل والتضحية والعطاء ومن هنا كانت الحكمة من وجوب زكاة الفطر على كل من ملك قوت يومه، وكانت الحكمة أيضاً من إخراج الزكاة مرة كل عام، بل وجواز إخراجها مُقسطاً.
فالزكاة أحد أسباب انشراح الصدر وراحة البال والشعور بالسعادة والاستقرار النفسى، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى شعور المزكى بطاعة الله عز وجل وانتصاره على نفسه والتي تميل – بطبيعتها - إلى حب التملك وزيادة المال "وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّا"( الفجر:20) كما قد يرجع السبب في ذلك إلى إسعاد المزكى لمستحقى الزكاة وإدخال السرور عليهم فالفرد السوى يسعد بإسعاد غيره. كما أن الإنسان مخلوق أصلاً على حب عمل الخير، وإخراج الزكاة من أعمال الخير، "فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا " (الروم:30)، وهو لن يشعر بالراحة والطمأنينة الا إذا أخرج الزكاة فهو بعدم دفعه الزكاة يحرم نفسه من الراحة ومن الطمأنينة ومن إنشراح الصدر.
فللزكاة دورها فى تعويد الفرد على الصدق، بل إن الزكاة قد تسمى بالصدقة وفى هذا دلالة على صدق المزكى فى عبادته وبرهان على طاعته لله عز وجل ومطابقة فعله لقوله وعدم مخالفته له من خلال إخراج جزء من المال الذى تعب فى جمعه، وفى ذلك يقول الرسول (: "وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ " رواه مسلم.
لكل نعمة شكر، واذا أنعم الله على فرد برجاحة عقل أو مال أو زوجة صالحة أو أولاد أو منصب أو قوة فى بدنه أو غير ذلك وأراد أن يحافظ على هذه النعمه فإن عليه أن يلتزم بالقانون القرآنى فى هذا الصدد، وهذا القانون نجده فى قوله تعالى، " لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ " (إبراهيم: 7 ). وعلى ذلك، إذا أراد الفرد منا المحافظة على نعمة المال، فعليه بشكر الله على هذه النعمة، والشكر يكون من جنس النعمة، كما يكون بالعمل لا باللسان فقط، فالحق سبحانه وتعالى يقول:" اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً " (سبأ:13). والعمل هنا يكون بإخراج الزكاة. ففى شكر الله ضمان للمحافظة على النعمة بل وضمان لزيادتها وعدم تحولها فالشكر حصن للنعمة.
فالزكاة أحد أسباب دفع الخوف والحزن عن المسلم، وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: "الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ "(البقرة:262)، كما يقول عز وجل:" الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ " ( البقرة : 274)، فالذى يدفع الزكاة لا خوف عليه فى الدنيا ولا فى الآخرة. لا خوف عليهم فى المستقبل ولا هم يحزنون على الماضى، فهم فى أمان، وهم فى اطمئنان.
فالزكاة تحفظ البدن وتدفع عن صاحبها الأمراض، ففي الحديث الشريف يقول الرسول ("داووا مرضاكم بالصدقة " سنن البيهقى. ويُفهم من الحديث الشريف أن في الزكاة علاج للأمراض بنوعيها البدني والنفسي، بل أن التداوى بالصدقة قد يكون أكثر فاعلية من التداوى بالعقاقير الطبية فى بعض الأمراض التى قد تصيب المُزكى.
فأجر الزكاة والصدقه عند المولى سبحانه وتعالى يكون أضعافاً مضاعفة، وفى ذلك يقول عز وجل: " مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّه وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة: 261- 262)، فمضاعفة الأجر هنا بلا حساب وبلا حدود وحسب إخلاص المزكى أو المتصدق. كما يقول عز وجل: " وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ" (الروم : 39). كما يقول سبحانه وتعالى: "مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" )البقرة:245). وفي الحديث الشريف يقول الرسول (: "من تصدق بعدل تمرة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل" رواه البخارى. وهناك نماء آخر حقيقى من خلال دفع الفرد إلى تنمية واستثمار أمواله حتى تخرج الزكاة من الربح لا من رأس المال وحتى لا يتآكل رأسماله تدريجياً بفعل الزكاة والتضخم.
فالزكاة تحفظ للمزكي ماله من الخسارة وتحصنه من التلف، فهي بمثابة الحارس على المال، ففي الحديث الشريف يقول رسول الله (: "حصنوا أموالكم بالزكاة " سنن البيهقى. بل أن الرسول ( يُحذر أصحاب الأموال من عدم المبادرة إلى إخراج الزكاة بقوله :( "ما خالطت الصدقة مالا إلا أهلكته" سنن البيهقى.
فالزكاة تُطهر مال المُزكى بتخليصه من حق الغير، وحق الغير هنا يتمثل في الزكاة، فالزكاة حق للفقير ولغيره من مُستحقى الزكاة ومال الغني لا يَطْهُر إلا بتخليصه من حقوق الغير ومنها حق مستحقي الزكاة، كما أن كسب المال قد لا يخلو من الهفوات والمخالفات فتكون الصدقة تطهيراً له من ذلك.
فالزكاة تجلب البركة فى مال المزكى، ففي القرآن الكريم " قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" (سبأ: 39) فالإنفاق لا ينقص المال كما قد يتوهم البعض بل يزيده. "كما يقول الله عز وجل: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ " (إبراهيم:7). وما من مسلم يحرص على إخراج الزكاة إلا وتحل البركة في ماله وتتيسر له أسباب الرزق، وقد تتمثل هذه البركة فى الدخول فى تجارات رابحة أو فى زيادة معدل دوران سلعته أو نحو ذلك، كما قد تكون البركة فى الوقت وفى الزوجة وفى الأولاد وفى الصحة وفى التوفيق فى العمل، وأساس ذلك قول الحق تبارك وتعالى: " فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى" (الليل: 5- 7)، فعلى كل من أراد البركة والتيسير أن يتق الله وأن يُعطى من ماله ووقته وجهده وعلمه وخبرته ومنصبه، وهذه قاعدة.
من المسلم به أن النفوس جُبِلَت على حب من أحسن إليها والميل إليه وبغض من أساء إليها، ففي الأثر: "جُبِلَت النفوس على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها"، والفرد لن يستميل القلوب إلا بالإحسان فبالإحسان تتغير الغايات وتتبدل العقائد. ومن صور هذا الإحسان ما يأخذه مستحقي الزكاة من أموال الأغنياء، حيث تترك هذه الأموال الأثر الطيب في نفوسهم تجاه المُزكي، بل وتدفعهم دفعاً إلى مودته والدعاء له، وستر عيوبه وزلاته والتجاوز عن هفواته. وفى ذلك يقول الشاعر: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان
فالزكاة أحد أسباب محو الخطايا وتكفير الذنوب والتجاوز عنها، وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:" إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ" (هود: 114)، والحسنة هى كل فعل خير، والصدقة من أعظم الحسنات والخيرات. ويؤكد على ذلك الرسول ( بقوله" "وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا " رواه الترمذى. وكذا بقوله( :" والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفئ الماء النار "، مسند أبو يعلى.
ففى الحديث الشريف: يقول رسول الله (: "إن الصدقة لتطفيء غضب الرب وتدفع ميتة السوء". رواه الترمذى، كما يقول (: "الصدقة في السر تطفئ غضب الرب" مستدرك الحاكم.
فالمزكى فى معية دائمة لله عز وجل، حيث يقول الحق تبارك: " وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوَهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُم وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ" (المائدة: 12)، من كان الله معه ضمن السكينة، وضمن الحفظ والتأييد من الله، وضمن السعادة فى الدنيا والآخرة، من كان الله معه فلن يضره شى، ولكن هذه المعية لها ثمن، لها أسباب من بينها إيتاء الزكاة.
فالزكاة أحد أسباب نيل رحمة الله عز وجل ورضاه، وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:"وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ" (الأعراف: 156).
ففى الحديث الشريف يقول الرسول ( : "المعروف إلى الناس يقي صاحبه مصارع السوء والآفات والمهلكات وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة" مستدرك الحاكم. كما يقول (: "إن الصدقة لتطفيء غضب الرب وتدفع ميتة السوء" رواه الترمذى. ففى الزكاة ضمان لحسن الخاتمة. فشتان بين من يموت فى المسجد وبين من يموت فى ملهى ليلى، بين من يموت وهو ساجد وبين من يموت وهو على معصية، بين من يموت وهو يتلو القرآن وبين من يموت وهو يتصفح مواقع ما على شبكة الانترنت، بين من يموت وهو فى الطريق لزيارة مريض وبين من يموت وهو فى الطريق إلى معصية ما, بين من يموت وهو فى مجلس علم وبين من يموت في مجلس غيبة ونميمة. والرسول ( يقول: " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ فَقِيلَ كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْت " (رواه الترمذى).
فالفرد في ظل صدقته يوم القيامة ففي الحديث الشريف يقول الرسول (: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يُقضى بين الناس"، رواه ابن حبان.
فالصدقة تظل صاحبها عند دنو الشمس من رؤوس الخلائق يوم القيامة، وهو يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ففى الحديث الشريف "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ وذكر منهم: " وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ" رواه البخارى
وأساس ذلك قوله تعالى:" فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى، لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى، وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى" ( الليل : 14 – 18 ). ويلزم الاشارة إلى أن في الزكاة تعويد للفرد على طاعة الله عز وجل والامتثال لأوامره، فالعبادات - ومنها الزكاة – هدفها الأساسى هو الانقياد والخضوع لله عز وجل والامتثال لأوامره فهى مطلوبة لذاتها وغاية فى نفسها. وليست مجرد وسيلة أو أداة لتحقيق أحد أو بعض الأهداف السابقة، والفرد عندما يؤدي الزكاة يجمع بين الفوز بثواب طاعة الله والفوز بالمنافع الأخرى التى قد تكون دنيوية كما قد تكون أخروية، وبمعنى آخر فإن هذه الفوائد ثمرة الإنقياد والطاعة والعبادة. وهذا من فضل الله عز وجل على عباده.
لا تقتصر المقاصد المعنوية للزكاة على المزكين وإنما تتعدى ذلك إلى مستحقيها، ويتضح ذلك مما يلى:
ويتضح ذلك من خلال اعتبار الزكاة حق للفقراء والمساكين، وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:" وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ "( المعارج: 24، 25)، وكذا قوله تعالى: " وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الانعام: 141). فالزكاة ليست منة ولا تطوع ولا إحسان من الغنى للفقير، وإنما هى حق له. ومما يؤكد حرص الإسلام على رفع الحرج عن مستحقى الزكاة هو ما ذهب الفقهاء إليه من إعتبار الزكاة "تمليك لمستحقيها".
فالحسد أحد الأمراض الخطيرة التي قد تصيب الفرد فيتمنى معه الحاسد زوال النعمة من الغني، وقد يتعدى الأمر حد الحسد إلى الحقد بالعمل على إزالة النعمة من الغنى، فالحقد يحول الشعور إلى سلوك. والفقير إذا استشعر أن له نصيب وحق في مال الغني وأنه لن يبخل عليه بهذا الحق فإنه لن يتمنى زوال تلك النعمة عنه بل يتمنى دوامها وزيادتها لأن فى ذلك زيادة لحقه، أما إذا شعر بأن مال الغني يزداد وأنه في المقابل يزداد فقراً وحاجة فإن الحسد سوف يجد طريقه إلى قلبه، ومن هنا كانت الحكمة من عدم اشتراط الحول في زكاة الزروع والثمار وإيجاب الزكاة يوم الحصاد، وما ذلك إلا لتعلق أعين الفقراء بالمال، وقد حرص الإسلام على تخليص نفوس أفراده من هذا الداء الخطير الذي لا يجتمع مع الإيمان في قلب واحد، ولذا فقد حذر رسول الله ( من الحسد والبغضاء في قوله:" دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ"، رواه الترمذى.
فالغارم هو المدين في غير معصية، سواء أكان ذلك الدَّين لمصلحة نفسه، أو لإصلاح ذات البين، وللغارم سهم من حصيلة الزكاة وأساس ذلك قول الحق تبارك وتعالى: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" (التوبة:60). ولما كان الدَّين – كما ورد في الأثر- هم بالليل ومذلة بالنهار، فقد أمرنا رسول الله ( أن نستعيذ بالله منه صباحاً ومساءً فى قوله :( "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدَّين، وغلبة الرجال"، رواه البخارى. ولعل السبب فى ذلك يرجع إلى خطورة الدَّين على سلوك المدين إذ قد يدفعه الدين إلى الكذب أو الإعتداء على أموال الغير بالسرقة أو نحو ذلك. والزكاة تُسهم في تخليص هذا المدين من هم الدَّين، ومن آثار هذا الهم، من خلال تخصيص سهم من حصيلة الزكاة للغارمين.
فابن السبيل هو من فقد أو نفد ماله في أثناء سفره في غير معصية، وهذا له سهم من حصيلة الزكاة، وأساس ذلك قول الحق تبارك وتعالى:" إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" ( التوبة:60). حيث يأخذ ابن السبيل من الزكاة ما يُعينه على العودة إلى بلده حتى وإن كان غنياً فى بلده وفي هذا العمل ضمان لحياة كريمة للمسلم المسافر فلا يضطر إلى مد يده للغير، كما أنه لا يضطر إلى العمل لدي الغير ليغطى نفقات عودته إلى بلده.
فتحصيل الزكاة وإنفاقها في مصارفها الشرعية من مسئوليات ولي الأمر، وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً" (التوبة: 103)، كما يقول عز وجل: "الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ" (الحج:41)، وفي ذلك حفظ لكرامة مستحقي الزكاة وعدم إحراجهم بأخذها مباشرة من الأغنياء، وحتى لو تم أخذها مباشرة من الأغنياء فهم مأمورون - أي الأغنياء – بالمحافظة على كرامة المستحقين وعدم المن والأذى، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْـهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ " (البقرة: 264). ومما يؤكد على أن الهدف من الزكاة ليس اقتصادياً فقط هو أن إشباع حاجة الفقير الاقتصادية تتحقق حتى مع وجود المن والأذى إلا أن الإسلام يرفض ذلك، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: " قُوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌ حَلِيمٌ" (البقرة : 263).
فالزكاة تُشعر الفقير والمسكين بأن له قيمة في المجتمع المسلم وأن هذا المجتمع يقف إلى جانبه ويدعمه ويقدم له يد العون ويقيل عثرته، ولا يتركه فريسة للفقر والجوع والحرمان، وشدة الحاجة التي قد تدفعه إلى ارتكاب الجرائم. ولما كانت الزكاة دواء لهذه الأمراض وكان الإسلام حريص على تخليص الأفراد والمجتمع من هذه الأمراض فقد جعل أمر تحصيلها وإنفاقها فى مصارفها الشرعية من مسئوليات الحاكم فالمسلم ليس حراً فى أن يدفع الزكاة أو لا يدفعها "الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور"(الحج:41)، بل أجاز للحاكم توقيع غرامة مالية على مانعها، كما قال الرسول(: "من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإِنَّا آخذوها وشطر ماله، عزمةٌ من عزمات ربِّنا عزّوجلّ، ليس لآل محمَّدٍ منها شىءٌ "، رواه ابو داوود. ويتضح مما سبق أن الإسلام لا يعالج الأمراض - ولاسيما ما يتعلق منها بالقلوب - بالخطب والكلمات وإنما يعالجها باستئصال جذورها واقتلاع أسبابها من خلال اعتبار الزكاة أحد أركان الإسلام وجعل أمر تحصيلها وإنفاقها من مسئوليات الدولة بل وتحديد مصارفها حتى تحقق الزكاة مقاصدها. وعلى ذلك، فإن للزكاة آثارها المعنوية والمادية على مستوى الفرد سواء كان هذا الفرد مُعطياً للزكاة أم آخذاً لها.
للزكاة دورها فى تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، ويتضح ذلك مما يلى:
تُسهم الزكاة فى تحقيق التنمية الإجتماعية للمجتمع المسلم، ويتضح ذلك مما يلى:
تملك سهمين ونصف من حصيلتها للفقراء والمساكين إلى تذويب الفوارق بين طبقات المجتمع، بل ونقلهم من فئة المستحقين لها الى فئة المعطين لها، إذ ليس هدف الزكاة مجرد إشباع الفقير والمسكين مرة أو مرات كل عام وإنما إغناؤه.
إستدانوا فى مباح وعجزوا عن السداد. ومن هؤلاء من يستدين للتوفيق وتجنب الشقاق والخلاف بين الآخرين، ولو ترك المستدين فى هذه الحالة لماتت المروءة والشهامة، ولما وجد بين الناس من يجرؤ على التصدى للإصلاح بينهم.
والتعاون، إذ أن الناس جُلبوا على حب من أحسن إليهم.
ويتضح مما سبق أن الزكاة لم تُشرع لتؤخذ من الغنى للفقير، وإنما شُرعت لتحقيق مقاصد أخرى يستفيد منها المجتمع المسلم بأكمله، فهى صمام أمان له، ومدعاة لإستقراره وإستمراره.
تعمل الزكاة على تحقيق أهداف ومقاصد التنمية الاقتصادية، وذلك من خلال ما يلى :
نامياً بالقوة إن لم يقم صاحبه بتنميته، مما يدفع صاحب المال إلى البحث عن أوجه إستثمار يفوق عائدها مقدار الزكاة المدفوعة، وهو مايؤدى بدوره إلى زيادة الدخل القومى.
المشروع التجارى، أو الصناعى، وإبقائه عضواً منتجاُ فى المجتمع المسلم بدلاً من إقتسام أمواله بين دائنيه قسمة الغرماء، حيث خصص المشرع سهماً من حصيلة الزكاة يُسدد عنه ديونه.
يُفضل الفقهاء إعطاء أصحاب المهن الحرفية ما يمكنهـم من الحصول على الأدوات التى تُساعد على تحويلهم من أشخاص عاطلين مُستحقين للزكاة إلى مُنتجين دافعين لها.
الأغنياء وتمليكها للمُستحقين - وأهمهم الفقراء والمساكين - دون أن يتحملوا فى سبيل ذلك أية أعباء.
ويتضح مما سبق أن الزكاة وإن كانت عبادة إلا أن لها العديد من المقاصد والغايات الروحية والإجتماعية والإقتصاية على مستوى الفرد والمجتمع المسلم.