الموقع العالمي للزكاة
العودة إلى أساسيات حساب الزكاة

مصارف الزكاة

لما كان صرف الزكاة لا يقل أهمية عن تحصيلها، فقد عنى القرآن الكريم بمصارف الزكاة عناية خاصة، فحدد الجهات التي تصرف لها وفيها، وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى : " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " (التوبة:60).

وعلى ذلك، فقد تولى المولى سبحانه وتعالى قسمة الزكاة، وبين المصارف التى تستحقها حتى توضع فى مكانها المناسب، وتحقق أهدافها الروحية والخلقية والإجتماعية والإقتصاية والسياسية، وصدق الله العظيم إذ يقول: "وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ " (المائدة:50).

ونتناول فيما بلي مفهوم كل مصرف من مصارف الزكاة الثمانية التي حددها القرآن الكريم، وتحديد شروطه، وأثر التمليك فى هذه المصارف، ومدى ضرورة التسوية بينها، مع الإشارة إلى من لايجزئ صرف الزكاة إليهم، ومدى جواز إستثمار حصيلة الزكاة، بالإضافة إلى ضوابط نقل هذه الحصيلة.

الفقراء هم أهل الحاجة الذين لا يجدون ما يكفي لسد حاجاتهم الأساسية على ما جرت به العادة والعرف.

ويرى جمهور الفقهاء إعطاء الفقير من الزكاة بالقدر الذى يكفي لسد حاجاته الأساسية هو ومن يعول عاماً كاملاً، باعتبار أن الزكاة تتكرر كل عام، وإقتداءً برسول الله الذي كان يدخر لأهله قوت سنة.

و يرى بعض الفقهاء إعطاء الفقير من الزكاة بالقدر الذى يكفيه العمر كله بحيث لا يحتاج إلى الزكاة مرة أخرى عملاً بقول عمر بن الخطاب : " إذا أعطيتم فأغنوا ".

ويمكن الجمع بين الرأيين فيُعطى للقادر على الكسب والعمل ما يكفيه العمر ويغنيه عن الزكاة مرة أخرى ( وذلك بتمليكه آلات حرفته أو مقومات تجارته )، فى حين يُعطى لغير القادر على الكسب ما يكفيه عاماً، ويفضل فى هذه الحالة أن يكون العطاء فى شكل شهرى خشية الإسراف.

ويُقصد بالحاجات الأساسية ما يحتاج إليه الفقير من مطعم وملبس ومسكن وسائر ما لابد له منه بغير إسراف، ولا تقتير، وذلك للفقير نفسه ولمن يعولهم ودون تقيد بمقدار معين من المال.

ولا يخرج الفقير عن فقره أن يكون له مسكن لائق به، ولا أن تكون له ثياب وإن تعددت، ولا أن يكون له مال ولا يقدر على الإنتفاع به.

وإذا كان فى مال الزكاة سعة يجوز أن يُعان به من يريد الزواج.

ولا يعطى للقادر على الكسب المتفرغ للعبادة من الزكاة، لأن المصلحة فى عبادته قاصرة عليه، ولأن العبادة لا تحتاج إلى تفرغ، كما أنه مأمور بالعمل والمشى في مناكب الأرض.

ويُعطى للمتفرغ لطلب العلم من الزكاة بالقدر الذي يعينه على ذلك، باعتبار أن فائدة علمه ليست قاصرة عليه وحده، بل هى للجميع.

ويجوز للدولة أن تنشئ من أموال الزكاة مصانع وعقارات ومؤسسات تجارية ونحوها وتمليكها - مع حظر نقل الملكية - للفقراء والمساكين لتدر عليهم دخلاً دورياً.

المساكين هم أهل الحاجة الذين لا يجدون ما يكفى لسد حاجاتهم الأساسية، على ما جرت به العادة والعرف.

وقيل هم أسوأ حالاً من الفقراء، وقيل العكس، وهذا الخلاف لا أثر له عملياً فلكل منهم سهم من مصارف الزكاة.

وتنطبق على المساكين الأحكام السابق الإشارة إليها فى مصرف الفقراء.

يُقصد بالعاملين عليها كل من ُتَعيِّنهم الدولة، أو المؤسسات المعترف بها من قبلها للقيام بشئون الزكاة، من تحصيل ونقل وتنمية وإستثمار وصرف، وغير ذلك.

ويستحق العاملون على الزكاة أجر المثل ولو كانوا أغنياء لأنهم يأخذون أجراً عن عمل لا معونة.

ويجب ألا يزيد مجموع ما يُدفع إلى جميع العاملين بالاضافة إلى التجهيزات والمصاريف الإدارية اللازمة لمباشرة شئون الزكاة عن ثمن الحصيلة.

ويحسن أن يكون ذلك من خزانة الدولة، وذلك مراعاة لمصلحة الفقراء والمساكين وغيرهما من مُستحقى الزكاة.

وفى جميع الأحوال يجب مراعاة عدم التوسع فى التوظيف إلا بقدر الحاجة.

ومن أهم المجالات التى يُصرف عليها سهم العاملين عليها ما يلى :

( أ ) ما يستحق للعاملين على الزكاة عن عملهم، ولو كانوا أغنياء.

(ب) نفقات تزويد مقار مؤسسات الزكاة وإداراتها بما تحتاج إليه من أثاث وأدوات وغير ذلك من التجهيزات إذا لم يمكن توفيرها من مصادر أخرى كخزينة الدولة أو التبرعات أو الهبات.

ويشترط فى عامل الزكاة أن يكون مسلماً، مكلفاً ( بالغاً، عاقلاً ) أميناً، عادلاً، مُلماً بأحكام الزكاة اذا كان مفوضاً غير منفذ، ذكراً. كما يشترط كذلك أن يتمتع بالكفاءة أى القدرة على العمل بالوجه المُعتبر شرعاً.

وينبغى أن يتحلى العاملون على الزكاة بالأخلاق الإسلامية كالرفق بالمزكين والقصد والإعتدال معهم والدعاء لهم وعدم التعسف في معاملتهم، كما لا يجوز أن يقبلوا شيئاً من الرشوة أو الهدايا أو الهبات العينية أو النقدية، لحديث الرسول :" هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ " رواه أحمد أى خيانة.

وهم الذين يراد تأليف قلوبهم بالإستمالة إلى الإسلام أو التثبيت عليه، أو بكف شرهم عن المسلمين، أو رجاء نفعهم في الدفاع عن المسلمين، أو نصرهم على عدو لهم، أو نحو ذلك.

ومن أهم المجالات التي يصرف عليها من حصيلة هذا السهم ما يلى:

( أ ) تأليف من يرجى إسلامه أو إسلام قومه وبخاصة أهل الرأي والنفوذ ممن يظن أن له دوراً كبيراً فى تحقيق ما فيه صلاح المسلمين.

(ب) إستمالة أصحاب النفوذ من الحكام والرؤساء ونحوهم للإسهام فى تحسين ظروف الجاليات والأقليات الإسلامية ومساندة قضاياهم.

(ج) إعطاء من يُرجى دفع شره وشر غيره معه.

( د) تأليف أصحاب القدرات الفكرية والإسلامية لكسب تأييدهم ومناصرتهم لقضايا المسلمين.

(هـ) من دخل الإسلام حديثاً.

وعلى ذلك، فإن الهدف من مصرف المؤلفة قلوبهم هو إستمالة القلوب إلى الإسلام و تثبيتها عليه، أو تقوية الضعفاء فيه، أو كسب أنصار له، أو كف شر أعدائه.

ويراعى عند الصرف من هذا السهم الضوابط التالية :

( أ ) أن يكون محققاً لمقاصد ووجوه السياسة الشرعية.

(ب) أن يكون الانفاق بالقدر الذى لا يضر بالمصارف الأخرى.

(ج) أن لا يتوسع فى هذا المصرف إلا بمقتضى الحاجة.

( د) توخي الدقة والحذر فى أوجه الصرف لتفادى الآثار غير المقبولة شرعاً، وكذا ما قد يكون له من ردود فعل سيئة فى نفوس المؤلفة قلوبهم.

ويُعطى من هذا السهم للمسلم وغير المسلم.

وتجدر الإشارة إلى أن جواز التأليف وتقدير مدى الحاجة إليه مرجعه إلى الحاكم لأن هذا مما يتصل بسياسة الدولة الداخلية والخارجية، فإذا لم تقم الدولة بهذا الدور فالرأى المرجح أنه لا يجوز للمسلم الفرد أن يقوم بهذا الدور إلا فى حالات الضرورة.

يُقصد بـ " فى الرقاب " سهم الزكاة الذي يصرف فى تحرير العبيد والإماء من الرق والعبودية.

وهذا المصرف غير موجود في الوقت الحاضر، ولذا فإن سهمهم ينقل إلى بقية مصارف الزكاة حسب رأى جمهور الفقهاء.

ويرى البعض أن هذا المصرف مازال قائماً بالنسبة لأسرى الجنود المسلمين.

الغارم هو المدين، ويدخل فى هذا المصرف ما يلي :

( أ ) المدينون لمصلحة شخصية، كمن استدان للإنفاق على نفسه أو عياله كعلاج مرض أو بناء مسكن أو شراء أثاث أو تزويج ولد.

ويدخل المدينون لمصلحة شخصية فى هذا المصرف بالشروط التالية:

(1) أن يكون الغارم مسلماً.

(2) أن يكون الدين فى أمر مباح، ومن ثم لا يعطى المدين إذا كان الدين فى معصية لأن في ذلك إعانة له، إلا إذا تحقق صدق توبته، لأن التوبة تمحو ما قبلها.

(3) أن يكون الدين مما يحبس فيه، وهو ما كان لآدمى. أما إذا كان لله، كالكفارات والزكاة، فلا يعطى المدين لسداده لانه ليس مما يحبس فيه.

(4) أن يكون غير قادر على السداد، فإن كان قادراً على السداد فلا يعطى من الزكاة، بخلاف الغارم لإصلاح ذات البين على النحو الذى سوف يأتى.

(5) أن يكون الدين حالاً وقت إعطاء المدين من الزكاة، ومن ثم لا يُعطى للغارم لسداد دين العام التالى، إلا أن يصالح المدين صاحب الدين على السداد فى الحال مع الحط ( إنقاص ) من الدين.

(ب) المدين لمصلحة إجتماعية، وهو من استدان لإصلاح ذات البين لتسكين الفتن التي قد تثور بين الناس، وهو يُعطى من الزكاة ولو كان غنياً قادراً على السداد، تكريماً له وترغيباً فى فعله الطيب.

ويشترط فى هذا النوع أن يكون الغارم مسلماً، وأن يكون الدين باقياً على الغارم فى ذمته، ومن ثم لو قضى الدين من ماله أو أداه ابتداءً من ماله، لم يعط من الزكاة لزوال وصف الغارم عنه.

(ج) المدينون بسبب ضمانهم لديون غيرهم مع إعسار الضامن والمضمون عنه.

ولا يجوز للغارم إذا أخذ من مال الزكاة بهذه الصفة أن ينفق ما أخذه إلا فى سداد غرمه.

وإذا استغنى الغارم قبل سداد ما عليه من ديون وجب عليه إرجاع ما أخذه من أموال الزكاة لولى الأمر أو لمن أخذها منه، فإن لم يستطع فإنه يدفعها فى مصارف الزكاة.

( د) دية القتل الخطأ إذا ثبت عجز العاقلة عن تحملها وكذلك عدم قدرة بيت المال على تحملها.

ولا يجوز دفع دية القتل العمد من مال الزكاة.

يقصد بمصرف فى سبيل الله الجهاد بمعناه الواسع، أى كل ما يلزم لحفظ دين الله وإعلاء كلمته، فهو يشمل مع النشاط العسكرى الدعوة إلى الإسلام والعمل على تحكيم شريعته ودفع الشبهات التى يثيرها أعداء الله، وصد التيارات المعادية له.

ويمكن أن يدخل تحت مصرف " في سبيل الله " بهذا المعنى ما يلي:

( أ ) تمويل الحركات العسكرية التى ترفع راية الإسلام، وتصد العدوان عن المسلمين في أي مكان.

(ب) دعم الجهود الفردية والجماعية التى تهدف إلى إعادة حُكم الإسلام وإقامة شريعته.

(ج) مقاومة خطط خصوم الإسلام لإزاحة عقيدته وتنحية شريعته عن الحكم.

( د ) تمويل مراكز الدعوة إلى الإسلام فى البلاد غير الإسلامية بهدف نشر الإسلام بمختلف الطرق الصحيحة التى تلائم العصر.

(هـ) تمويل الجهود التى ترمي إلى تثبيت الإسلام بين الأقليات الإسلامية فى الديار التى يتسلط فيها غير المسلمين على رقاب المسلمين والتى تتعرض لخطط تذويب البقية الباقية من المسلمين فى تلك الديار.

ولا يشترط للمستحق من مصرف " فى سبيل الله " أن يكون فقيراً.

إبن السبيل هو المسافر الذى لا يملك ما يبلغه وطنه.

ويعطى إبن السبيل من الزكاة بهذه الصفة بالشروط الآتية :

( أ ) أن يكون مسافراً من بلد اقامته، فلو كان فى بلده وهو يحتاج فإنه يطبق عليه مصرف الفقراء أو مصرف المساكين.

(ب) أن يكون سفره لأمر مشروع، لئلا يكون فى غير ذلك إعانة على المعصية.

(ج) أن لا يكون مالكاً فى الحال ما يتكمن به من الوصول إلى بلده وإن كان غنياً في بلده.

ويُعطى لابن السبيل ما يوصله إلى بلده لأن الدفع إليه لهذه الحاجة، فيقدر بقدرها.